الغزالي

36

إحياء علوم الدين

أسمع صوتك ولا أرى شخصك ؟ فقال أنا ملك من الملائكة موكل بهذا البحر ، أسبح الله تعالى بهذا التسبيح منذ خلقت ، قلت فما اسمك ؟ قال مهلهيائيل ، قلت فما ثواب من قاله ؟ قال من قاله مائة مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة ، أو يرى له ، والتسبيح هو قوله : سبحان الله العلى الديان ، سبحان الله الشديد الأركان ، سبحان من يذهب بالليل ويأتي بالنهار ، سبحان من لا يشغله شأن عن شأن ، سبحان الله الحنان المنان ، سبحان الله المسبّح في كل مكان ، فهذا وأمثاله إذا سمعه المزيد ووجد له في قلبه وقعا فيلازمه ، وأيّاما وجد القلب عنده ، وفتح له فيه خير فليواظب عليه الثاني : العالم الذي ينفع الناس بعلمه ، في فتوى ، أو تدريس ، أو تصنيف ، فترتيبه الأوراد يخالف ترتيب العابد ، فإنه يحتاج إلى المطالعة للكتب ، وإلى التصنيف والإفادة ، ويحتاج إلى مدة لها لا محالة ، فان أمكنه استغراق الأوقات فيه فهو أفضل ما يشتغل بعد المكتوبات ورواتبها ، ويدل على ذلك جميع ما ذكرناه في فضيلة التعليم والتعلم في كتاب العلم ، وكيف لا يكون كذلك وفي العلم المواظبة على ذكر الله تعالى ، وتأمل ما قال الله تعالى وقال رسوله وفيه منفعة الخلق وهدايتهم إلى طريق الآخرة ، ورب مسألة واحدة يتعلمها المتعلم فيصلح بها عبادة عمره ، ولو لم يتعلمها لكان سعيه ضائعا ، وانما نعني بالعلم المقدم على العبادة العلم الذي يرغب الناس في الآخرة ويزهدهم في الدنيا ، أو العلم الذي يعينهم على سلوك طريق الآخرة ، إذا تعلموه على قصد الاستعانة به على السلوك دون العلوم التي تزيد بها الرغبة في المال والجاه ، وقبول الخلق ، والأولى بالعلم أن يقسم أوقاته أيضا فان استغراق الأوقات في ترتيب العلم لا يحتمله الطبع ، فينبغي أن يخصص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد ، كما ذكرناه في الورد الأول ، وبعد الطلوع إلى ضحوة النهار في الإفادة والتعليم ، ان كان عنده من يستفيد علما لأجل الآخرة وان لم يكن فيصرفه إلى الفكر ويتفكر فيما يشكل عليه من علوم الدين ، فإن صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات ، ومن ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة ، لا يتركها إلا في وقت أكل وطهارة ومكتوبة وقيلولة خفيفة ان طال النهار ، ومن العصر إلى الاصفرار يشتغل بسماع ما يقرأ بين يديه من تفسير أو حديث أو علم نافع ، ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالذكر والاستغفار والتسبيح ، فيكون ورده الأول قبل طلوع الشمس في عمل اللسان ، وورده الثاني في عمل القلب بالفكر إلى الضحوة